محمد جواد مغنية

62

في ظلال نهج البلاغة

صعدت به إلى القمر ، وفعل بها المعجزات . ولا أدري : هل اعتمد هؤلاء الزاعمون على التجربة والمشاهدة ، أو على حقائق العقل ونظرياته . وردّ سبحانه عليهم بقوله : * ( « أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ ) * - 36 الطور » . وما من أحد ادعى انه خلق من غير شيء ، أو قال : أنا خلقت نفسي والكون ، ولكن لا فرق بين من زعم أنه كالنبات ، وبين من قال : انه خلق من غير إرادة قادرة ومدبرة ، وانه هو خلق نفسه والكون بما فيه . ( وان شئت قلت في الجرادة إلخ ) . . ضرب الإمام مثلا على عظمة اللَّه سبحانه بأصغر مخلوق من دنيا الحيوانات أو الحشرات التي تدب على الأرض ، وهي النملة ، ثم ضرب مثلا بأصغر مخلوق من دنيا ما يطير ، وهو الجرادة التي تحيّر الألباب بسمعها وبصرها وفمها ونابيها ورجليها وإلهامها ، وكيف يخافها الزارعون على زرعهم وحقولهم مع أن حجمها لا يبلغ الإصبع الصغيرة الدقيقة . . ولو خرجنا من دنيا ما يدب على الأرض ، وما يطير في الهواء - إلى دنيا ما يسبح في الماء وما فيه من عجائب ، ومنه إلى دنيا النبات والحشائش وحجمها وأوراقها وورودها وريحها وطعمها ، ومنها إلى غيرها مما لا يبلغه الاحصاء - لو فعلنا ذلك لامتد الحديث عنها سنوات دون أن نبلغ الغاية ونصل إلى النهاية : * ( « وَلَوْ أَنَّ ما فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّه ُ مِنْ بَعْدِه ِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ ا للهِ إِنَّ ا للهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) * - 27 لقمان » . فمن الذي خلق فسوّى ، وقدّر فهدى المادة العمياء ، أو الصدفة الهوجاء ، أو النشوء والارتقاء . وان قلت : الأسباب الطبيعية ، قلنا : ان اللَّه أودع هذه الأسباب في الطبيعة ، وتقدم ذلك مفصلا . ( فتبارك اللَّه الذي يسجد له من في السماوات والأرض إلخ ) . . المراد بالسجود وتعفير الخدود هنا الخضوع ، وبالطوع والكره والسلم والخوف انقياد الأشياء كلها لأمر اللَّه في شتى الأحوال لا في حال دون حال ، وقوله : أحصى عدد الريش والأجناس أي أحاط بكل شيء علما ، وقوله : أرسى القوائم ، وقدر الأقوات ، وأنشأ السحاب وعدّد قسمها - كناية عن قدرته تعالى وعلمه وحكمته ، أما ذكر الغراب والعقاب - طائر من الكواسر - والحمام والنعام - فإنه لمجرد